جان لوئيس بوركهارت

216

رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان

وتزكو التجارة في شندى لأن المك لا يبتز من التجار ضرائب ، وقد أكد لي كثيرون أنه لا يجرؤ على هذا خشية أن يغضب وزير سنار . ولست أدرى مبلغ ما في هذا الزعم من صحة ، ولكن الواقع أن القوافل معفاة من المكوس أيا كانت ، ولا يقدم المسافرون للمك سوى هدية صغيرة ليبسط عليهم مزيدا من حمايته الخاصة ، ويضيفون إليها هدية أخرى لأحد إخوته ، وهو من وجوه المدينة . وقد أرسل أصحابي العبابدة للمك لفة صغيرة من الصابون والسكر أسهمت فيها بنصف ريال . ولم أسمع بوجود وظائف أخرى أدنى من وظيفة المك في حكومة شندى ، ويبدو أن ملكها قد جمع في يده كل السلطات ، وأقرباؤه يحكمون القرى التابعة للإقليم ، وقوام بلاطه ستة من الشرطة وكاتب وإمام وخازن وفرقة حرس جلها من الرقيق . أما أخلاق أهل شندى فكأخلاق أهل بربر سواء بسواء . نعم إن المك يلزمهم بعض الحدود ، ولكن اللؤم والبغى لا يجدان رادعا ، ولا غرو فهم يعلمون أن القانون لا يملك إلا أن يحاول منع وقوع الجرائم ولكنه قلما ينزل بهم العقوبة الرادعة . وكثيرا ما يساق إلى المك لصوص سطوا على الناس ليلا ، وسكارى اعتدوا على الأغراب ، وسارقون ضبطوا في الأسواق ، إلى غير هؤلاء من المجرمين ، فيقتصر في عقابهم على الحبس يومين أو ثلاثة ، وما سمعت قط أنه أمر بإعدام مجرم منهم أو حتى جلده ، مع أن مثل هذه الجرائم كانت تقترف يوميا خلال مقامي بشندى . وكان يؤذن لمقارفيها بالعودة إلى بيوتهم مطمئنين بعد أن يدفعوا غرامة صغيرة للمك ورجاله . أما في كردفان فعقاب السرقة الإعدام فيما سمعت . وبيوت الليل ومشارب البوظة منتشرة هنا انتشارهما في بربر ، بل إن المشارب أكثر انتشارا . ولم تمر بي ليلة لم أسمع فيها أصوات السكارى يتصايحون بأغانيهم في مجالس البوظة مع أن الحي الذي نزلنا كان من أهدأ أحياء المدينة ، وهو حي الدناقلة الذين يعصمهم الحرص على المال من الانغماس في اللهو وإدمان هذه المعاصي . وبينما كنت في بربر أرى البغايا لا يختفين لم ألقاهن في الطرقات بشندى إلا قليلا ، وإن كنّ ، فيما يقال ، داخل البيوت يكدن يبلغن في الكثرة أخواتهن في بربر . ولباس أهل شندى وعاداتهم وآدابهم لا تختلف عما وصفت في غيرها من